السيد محمد حسين فضل الله

47

من وحي القرآن

وحار المفسرون في تحديد معنى هذه الكلمة ؛ فهل تعني الموت أم تعني بلوغ الحدّ الذي حدده اللّه له في الأرض في ما توحيه كلمة « التوفية » من معنى بلوغ الحدّ ؟ ! . ويرى البعض أن إطلاق الوفاة على الموت كان على أساس هذه الملاحظة ، باعتباره نهاية حدّ الحياة من دون أن يكون لموت الحياة في الجسد مدخلية في طبيعة المعنى ، فذهب البعض إلى أن اللّه قبضه إليه بضع ساعات ثم أحياه ، وذهب آخرون إلى أن اللّه رفعه إليه من دون أن يقبض روحه ، لأنه سيعيش إلى نهاية الحياة الدنيا . وقد انطلقت الفكرة التي ترى في مادة الوفاة معنى لا ينطبق على الموت من خلال القول : إن « التوفي أخذ الشيء أخذا تاما ، ولذا يستعمل في الموت لأن اللّه يأخذ عند الموت نفس الإنسان من بدنه ، قال تعالى : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [ الأنعام : 61 ] أي أماتته ، وقال تعالى : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ إلى أن قال : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [ السجدة : 11 ] ، وقال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى [ الزمر : 42 ] . والتأمل في الآيتين الأخيرتين يعطي أن التوفي لم يستعمل في القرآن بمعنى الموت ، بل بعناية الأخذ والحفظ ؛ وبعبارة أخرى إنما استعمل التوفي بما في حين الموت من الأخذ ، للدلالة على أن نفس الإنسان لا يبطل ولا يفنى بالموت الذي يظن الجاهل أنه فناء وبطلان ، بل اللّه تعالى يحفظها حتى يبعثها للرجوع إليه » « 1 » . ولكن الظاهر أن كلمة « الوفاة » استعملت في الأخذ الخاص وهو الموت ، وأمّا في الآية الثانية فلمقابلة الكلمة بقوله : وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ مما يوحي بأن المراد بالوفاة الموت ، ولكنه استعمل هذه الكلمة تفننا في التعبير ، كما في الآية الثانية ، وأما في الآية الأولى ، فلأن الإشارة في كلمة يَتَوَفَّاكُمْ إلى الوفاة الخاصة التي تنفصل فيها الروح عن الجسد الذي هو المصداق الحقيقي

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 238 - 239 .